متفرقات سعودية

السعودية توسع حملة القمع الرقمي وتشدّد القيود على حرية التعبير

كشفت تقارير صحفية وحقوقية عن تصعيد سعودي ملحوظ في القيود على حرية التعبير، مع توسيع دائرة الاعتقالات والغرامات بحق مواطنين انتقدوا علنًا ارتفاع تكاليف المعيشة وتشديد شروط الاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية، في خطوة تعكس تضييقًا متزايدًا على أي مساحة للنقد العلني داخل المملكة.

وبحسب ما أوردته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في السعودية، خلال ديسمبر/كانون الأول، فرض غرامات مالية على تسعة أشخاص، إلى جانب إغلاق حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي، بزعم نشرهم «محتوى مخالفًا».

وجاء هذا الإعلان بعد أسابيع من كشف الهيئة عن اعتقال ستة أشخاص في نوفمبر/تشرين الثاني، واتهامهم بـ«نشر معلومات بشكل منهجي لإثارة الرأي العام».

وأوضحت الهيئة أن الموقوفين سيُلاحقون قضائيًا بموجب نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، الذي يتيح فرض عقوبات تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات، إضافة إلى غرامات قد تبلغ ثلاثة ملايين ريال سعودي، أي ما يعادل نحو 800 ألف دولار.

ولم تعلن السلطات رسميًا عن أسماء المعتقلين أو طبيعة المحتوى الذي نُشر، مكتفية باستخدام توصيفات عامة تتعلق بـ«التحريض» و«الإخلال بالنظام العام».

ووصفت منظمة «سند» السعودية لحقوق الإنسان، ومقرها المملكة المتحدة، هذه الإجراءات بأنها تمثل «تصعيدًا خطيرًا في القمع الرقمي»، معتبرة أن استخدام الهيئات التنظيمية كأدوات عقابية يعكس نهجًا ممنهجًا لإسكات الأصوات الناقدة.

وقالت المنظمة إن الغرامات والاعتقالات الأخيرة «تندرج ضمن نمط متسع من الممارسات القمعية التي تستهدف التعبير السلمي عن الرأي، وتُوظف فيه الأطر القانونية والتنظيمية لفرض الرقابة ومعاقبة الأفراد».

وأفادت وسائل إعلام محلية، الأسبوع الماضي، بأن هيئة تنظيم الإعلام استدعت نحو 40 شخصًا إضافيًا بسبب نشر محتوى وُصف بأنه «تحريضي»، في مؤشر على اتساع نطاق الملاحقات.

وجاء ذلك بعد أيام من دفاع وزير الإعلام سلمان الدوسري، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس الهيئة، عن هذه الإجراءات، نافيًا أن تشكل تقييدًا لحرية التعبير.

وقال الدوسري، خلال مؤتمر صحافي، إن السلطات «لن تتسامح مطلقًا مع أي شخص يستخدم حرية التعبير لإحداث فوضى في الفضاء الإعلامي أو الإلكتروني»، مضيفًا أن الحكومة لن تسمح بما وصفه بـ«الخطاب الشعبوي الكاذب» الذي يهدف إلى كسب المتابعين عبر إثارة الرأي العام.

ورغم غياب توضيح رسمي بشأن خلفيات هذه الخطوات، ربطت منظمات حقوقية بينها وبين تصاعد الانتقادات الإلكترونية خلال الأشهر الأخيرة، خاصة تلك المتعلقة بتعديلات طالت نظام الضمان الاجتماعي.

وذكرت منظمة «سند» أن توقيت الاعتقالات والغرامات يوحي بأنها جاءت ردًا مباشرًا على موجة تذمر شعبي من تشديد شروط الاستحقاق وتقليص عدد المستفيدين.

وفي هذا السياق، اتخذت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية سلسلة إجراءات لتعديل معايير الأهلية لبرامج الدعم، ما أدى إلى حرمان آلاف المواطنين من المدفوعات الشهرية التي كانوا يعتمدون عليها سابقًا.

وتقول الحكومة إن هذه التعديلات تأتي في إطار إصلاح اقتصادي أوسع يهدف إلى ترشيد الإنفاق وضمان وصول الدعم إلى الفئات «الأكثر احتياجًا».

ورغم عدم إعلان السلطات عن أسماء المعتقلين في نوفمبر، قالت منظمة «القسط» الحقوقية، ومقرها لندن، إنها تمكنت من تحديد هوية ثلاثة منهم، من بينهم المغني المحافظ فلاح المسردة.

وكان المسردة قد نشر، قبل اعتقاله، مقطع فيديو أوضح فيه أن شقيقته، وهي مبتورة الساق، حُرمت من مدفوعات الضمان الاجتماعي بعد إعادة تقييم حالتها.

وقال المسردة في الفيديو إن «من حق المواطنين الشكوى من الأمور التي تزعجهم»، معتبرًا أن استياء الناس مفهوم في ظل استمرار الدولة في تقديم مليارات الدولارات كمساعدات خارجية، في وقت يُحرم فيه بعض المحتاجين من الدعم المحلي. وأثار المقطع تفاعلًا واسعًا قبل أن يُحذف، ثم أعقبه اعتقال صاحبه.

وتسلّط هذه التطورات الضوء على مفارقة بارزة في المشهد السعودي خلال العقد الأخير. فبينما قاد ولي العهد محمد بن سلمان مسارًا من الانفتاح الاجتماعي، شمل توسيع قطاع الترفيه، يرى مراقبون أن هامش حرية التعبير تقلّص بشكل واضح، مع استمرار سياسة عدم التسامح مع أي معارضة علنية.

وتأتي تعديلات نظام الرعاية الاجتماعية ضمن مسعى حكومي لإعادة صياغة «العقد الاجتماعي»، عبر تقليص الدعم الحكومي وتقليل الإعانات للمواطنين. وتزعم الحكومة أن شبكة الأمان الاجتماعي لا تزال أولوية، وأن هناك آليات اعتراض متاحة لمن حُرموا من الدعم.

لكن هذه التطمينات لم تمنع تصاعد الغضب الشعبي، خاصة بعد الجدل الذي أثاره رجل الأعمال يزيد الراجحي، حين نشر مقطع فيديو من طائرة خاصة دعا فيه إلى عدم انتقاد الحكومة أو ولاة الأمر، حتى في الجلسات الخاصة.

وأدت تصريحاته إلى موجة استياء واسعة، ودعوات لمقاطعة مشاريعه التجارية، باعتبارها تعكس انفصال النخب عن واقع المواطنين.

وقال أندرو ليبر، الأستاذ المساعد في جامعة تولين، إن ما كان يُسمح به سابقًا من تذمر محدود حول قضايا المعيشة لم يعد مقبولًا اليوم، مضيفًا أن الاعتقالات الأخيرة تشير إلى تضييق واضح على أي نقد علني، حتى وإن كان غير منظم أو غير سياسي بشكل مباشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى