
كشف تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية عن أزمة متصاعدة داخل صندوق الاستثمارات العامة في السعودية، حيث تتناقض الأرقام الضخمة للأصول مع واقع ضغوط السيولة وتراجع العوائد، في مؤشر واضح على خلل عميق في إدارة الاستثمارات.
وأوضح التقرير أن الصندوق، الذي تتجاوز أصوله 900 مليار دولار، يواجه صعوبات نقدية متزايدة، نتيجة التوسع غير المنضبط في مشاريع ضخمة عالية الكلفة دون تحقيق عوائد مستدامة.
وأشار إلى أن الصندوق ضخ مليارات الدولارات في مشاريع طموحة مثل مدينة “نيوم” ومشروع “ذا لاين”، إلا أن هذه المشاريع تحولت إلى عبء مالي، مع ارتفاع التكاليف وتأجيل التنفيذ وتقليص الخطط.
وأكد أن ما يظهر على الأرض هو فجوة ضخمة بين الوعود والواقع، حيث تحولت مشاريع مستقبلية إلى مواقع إنشائية متعثرة، دون وضوح بشأن الجدوى الاقتصادية أو العائد المتوقع.
ولفت التقرير إلى أن الصندوق اضطر إلى مراجعة استراتيجيته وتقليص الإنفاق، في اعتراف ضمني بفشل النهج السابق القائم على التوسع غير المدروس، رغم استمرار الالتزامات المالية المرتفعة.
وأوضح أن محافظ الصندوق ياسر الرميان أقر بإعادة تقييم الأولويات، مع محاولة تحقيق الأهداف برأس مال أقل، ما يعكس ضغطاً مالياً واضحاً داخل المؤسسة.
وأشار التقرير إلى أن الاستثمارات الخارجية لم تكن أفضل حالاً، حيث ضخ الصندوق عشرات المليارات في صفقات عالية المخاطر، مثل استثمارات في شركات إعلامية وتكنولوجية، دون ضمانات لتحقيق أرباح حقيقية.
وأكد أن الصندوق تعهد بضخ نحو 30 مليار دولار في صفقة استحواذ على شركة ألعاب، إضافة إلى 10 مليارات دولار في صفقات إعلامية، إلى جانب خطط لإنفاق 100 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي، رغم الضغوط المالية.
واعتبر التقرير أن هذا التوسع يعكس تناقضاً واضحاً بين محاولات خفض الإنفاق واستمرار ضخ الأموال في مشاريع جديدة، ما يعمق أزمة السيولة بدلاً من معالجتها.
وسلّط الضوء على استثمارات رياضية مكلفة، أبرزها بطولة “ليف غولف”، التي سجلت خسائر تقارب 600 مليون دولار في عام واحد، مع احتمال إيقافها نتيجة استنزاف الموارد دون عائد.
ونبه إلى أن الإنفاق على جذب نجوم الرياضة العالمية والدوري المحلي شكّل عبئاً إضافياً، في إطار سياسات تسويقية لم تحقق مردوداً اقتصادياً واضحاً.
وأكد التقرير أن أحد أبرز أسباب الأزمة يعود إلى طبيعة هيكلة الصندوق، حيث يتم توجيه جزء كبير من أصوله إلى مشاريع داخلية طويلة الأجل، مثل البنية التحتية، ما يقيّد السيولة ويحد من القدرة على تحقيق أرباح سريعة.
وأوضح أن هذا النهج يختلف عن صناديق سيادية في الإمارات وقطر، التي تركز على استثمارات سائلة تحقق عوائد منتظمة ويمكن التخارج منها بسهولة.
وأشار التقرير إلى أن نمو أصول الصندوق لم يكن نتيجة أداء استثماري فعلي، بل نتيجة نقل حصص حكومية، خصوصاً في أرامكو السعودية، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة إدارة الأصول.
وأوضح أن الصندوق حقق عوائد ضعيفة، وصلت في بعض السنوات إلى مستويات قريبة من الصفر، رغم ارتفاع الأسواق العالمية بشكل كبير خلال نفس الفترة.
واعتبر أن هذه النتائج تعكس فشلاً في استغلال الفرص الاستثمارية العالمية، مقارنة بصناديق أخرى حققت مكاسب كبيرة.
وأشار التقرير إلى أن الحرب الإقليمية مع إيران زادت من تعقيد الوضع، حيث أثرت الهجمات على صورة السعودية كمركز آمن للاستثمار، ما قد يثني المستثمرين الأجانب عن المشاركة في المشاريع الكبرى.
وأكد أن هذه التطورات تضع رؤية 2030 أمام اختبار حقيقي، في ظل فجوة متزايدة بين الطموحات المعلنة والقدرات المالية الفعلية.
وأوضح أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على المالية العامة، مع تآكل الاحتياطيات واستمرار الاعتماد على الإنفاق الحكومي لتمويل المشاريع.
وأشار التقرير إلى أن الصندوق بات مضطراً للاختيار بين تقليص طموحاته أو مواجهة أزمة مالية أعمق، في ظل غياب نموذج استثماري مستدام.
وخلص إلى أن ما يحدث يعكس خللاً هيكلياً في إدارة الثروة، حيث يتم توجيه موارد ضخمة نحو مشاريع ذات عوائد غير مؤكدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية، مؤكدا أن التحدي الحقيقي لم يعد في حجم الأموال، بل في كيفية إدارتها، في ظل مؤشرات متزايدة على سوء تخصيص الموارد وتبديد فرص الاستثمار.
وتعكس هذه المعطيات صورة متزايدة الوضوح لأزمة إدارة مالية، حيث تتحول الثروة الضخمة إلى عبء، نتيجة قرارات استثمارية تفتقر إلى الكفاءة والجدوى الاقتصادية.