
تواجه السعودية انتقادات متصاعدة بسبب ما يُنظر إليه كسياسة مترددة ومرتبكة في التعامل مع الحرب الدائرة مع إيران، في وقت تتصاعد فيه التحولات الجيوسياسية في المنطقة بوتيرة غير مسبوقة، ما يضع الرياض أمام اختبار حقيقي حول أزمة الدور الإقليمي وقدرتها على التأثير.
وقد اختارت السعودية، رغم تقديم نفسها كقوة صاعدة وقائدة للنظام الإقليمي، الوقوف في موقع “الحياد الحذر”، مكتفية بإصدار بيانات سياسية دون اتخاذ خطوات عملية تتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول جدية هذا الدور ومصداقيته.
وجاء هذا التردد في وقت تتعرض فيه المملكة لهجمات مباشرة من إيران ووكلائها، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “الاحتفاظ بحق الرد” وبين الواقع الميداني الذي يشهد غياباً لأي تحرك فعلي، وهو ما يراه مراقبون مؤشراً على أزمة ثقة في القدرة على المواجهة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن القيادة السعودية وجدت نفسها في موقف معقد، بين رغبتها في تجنب التصعيد العسكري وحماية مشاريعها الاقتصادية الضخمة، وبين الضغوط المتزايدة لإثبات قدرتها على الدفاع عن مصالحها في بيئة إقليمية متوترة.
وتعكس هذه المعادلة حالة من التناقض داخل السياسة السعودية، حيث تسعى إلى لعب دور قيادي دون تحمل كلفة هذا الدور، ما يضعها في موقع المتلقي للأحداث بدلاً من صانعها، في وقت يعيد فيه خصومها رسم ملامح المنطقة.
وتتزامن هذه التطورات مع ضغوط اقتصادية داخلية، دفعت الرياض إلى خفض الإنفاق على مشاريع كبرى وتأجيل جداولها الزمنية، بما في ذلك مشاريع مرتبطة برؤية 2030، وهو ما يعزز الانطباع بأن الاستقرار الإقليمي أصبح أولوية تفوق أي مغامرة عسكرية.
في هذا السياق، تركز السعودية على إعادة توجيه استثماراتها نحو قطاعات مثل الطاقة المتجددة والتصنيع والخدمات اللوجستية، في محاولة لتقليل المخاطر، إلا أن هذه الاستراتيجية تبدو، وفق منتقدين، غير كافية في ظل تصاعد التهديدات الأمنية.
وتطرح الأزمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع، يتراوح أولها بين حالة جمود طويلة الأمد تبقي المنطقة في حالة توتر دائم، وثانيها تحقيق انتصار أمريكي يحد من النفوذ الإيراني، وثالثها، وهو الأسوأ، تعزيز موقع إيران إقليمياً عبر رفع العقوبات وتوسيع نفوذها في مضيق هرمز.
وتشير قراءة الموقف السعودي إلى أنه يميل إلى ترجيح سيناريو الجمود أو حتى تصاعد النفوذ الإيراني، ما يفسر سياسة “الانتظار والترقب” التي تتبعها الرياض، في محاولة لتفادي المخاطر المباشرة.
غير أن هذا النهج، وفق محللين، يحمل مخاطر أكبر على المدى الطويل، إذ يضعف قدرة السعودية على التأثير في مسار الأحداث، ويجعلها عرضة لنتائج صراعات لا تملك أدوات التحكم فيها.
ويتفاقم هذا الوضع في ظل اعتماد المملكة الكبير على الولايات المتحدة كشريك أمني رئيسي، رغم التوترات المتزايدة في العلاقات، خاصة بعد الانتقادات السعودية للسياسات الأمريكية التي يُنظر إليها على أنها ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة.
وتكشف هذه العلاقة عن مفارقة أساسية، حيث تجد السعودية نفسها مضطرة للاعتماد على شريك لا تثق بشكل كامل في استراتيجيته، ما يزيد من تعقيد خياراتها السياسية.
ويرى مراقبون أن الرياض تحاول “إرضاء جميع الأطراف” في آن واحد، من خلال الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، وتجنب التصعيد مع طهران، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورتها كقوة إقليمية، وهو ما يؤدي إلى سياسة متذبذبة تفتقر إلى الوضوح.
وتتجلى هذه الازدواجية في الخطاب السعودي، الذي يجمع بين الدعوة إلى الحلول الدبلوماسية والتلويح بالقوة، دون ترجمة ذلك إلى خطوات عملية، ما يضعف مصداقيته على الساحة الدولية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تآكل الدور السعودي في المنطقة، خاصة في ظل صعود قوى إقليمية أخرى أكثر استعداداً للمخاطرة واتخاذ قرارات حاسمة وذلك في وقت تواجه المملكة لحظة مفصلية تتطلب إعادة تقييم استراتيجيتها، والانتقال من سياسة رد الفعل إلى المبادرة، إذا ما أرادت الحفاظ على مكانتها الإقليمية.
وتعكس الأزمة الحالية حدود القوة السعودية، التي تبدو، رغم إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية، غير قادرة على ترجمة نفوذها إلى تأثير فعلي في مسار الصراع، ما يضعها أمام تحدٍ وجودي يتعلق بدورها ومستقبلها في النظام الإقليمي.
وتشير هذه الوقائع إلى أن استمرار التردد قد يكلف السعودية ثمناً سياسياً واستراتيجياً باهظاً، في وقت تتشكل فيه ملامح شرق أوسط جديد لا ينتظر المترددين، بل يكافئ الفاعلين القادرين على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.