
لم يعد التراجع المتسارع عن مشاريع محمد بن سلمان العملاقة مجرّد “إعادة تقييم” كما يحاول الخطاب الرسمي تسويقه، بل بات، وفق مراقبين، اعترافًا قسريًا بفشل استراتيجية اقتصادية قامت على التبذير والمغامرة وبيع الأوهام.
فقرار إيقاف مشاريع مثل “المكعب” و “تروجينا” ، وتقليص نطاق “نيوم”، والذي كشفت عنه وسائل إعلام غربية مؤخرًا، يؤكد أن الأزمة المالية التي تعيشها السعودية أعمق بكثير مما كان يُعلن، وأن السيولة التي أُهدرت على مشاريع استعراضية لم تعد متوفرة.
وجاءت هذه الخطوات، التي وصفها المجلس الوطني للإنقاذ بأنها نتيجة “إفلاس فعلي لا صحوة عقل”، بعد سنوات من التحذيرات التي أطلقها اقتصاديون وخبراء من أن تحويل الدولة إلى ورشة تجارب لأفكار غير مدروسة سيقود حتمًا إلى مأزق مالي.
واليوم، لم تعد الأرقام قابلة للإخفاء: انخفاض الإيرادات النفطية، تشدد أسواق الإقراض، تضخم الديون السيادية، وتراجع الاستثمار الأجنبي، كلها عوامل كشفت هشاشة الأساس الذي بُنيت عليه رؤية محمد بن سلمان.
واللافت أن التراجع لم يتم بشفافية أو عبر اعتراف رسمي بالأخطاء، بل جرى تسريب الفشل عبر الإعلام الغربي، في مشهد يعكس – بحسب منتقدين – استخفافًا بعقول السعوديين، وكأن الرأي العام المحلي غير معني بمعرفة مصير مئات المليارات التي أُنفقت باسم “المستقبل”.
فقد جرى الترويج لنيوم بوصفها مدينة القرن، ولتروجينا كمنتجع ثلجي في قلب الصحراء، وللمكعب كأعجوبة معمارية، قبل أن تتبخر هذه الوعود عند أول اختبار مالي جدي.
ويشير منتقدو الاستراتيجية الحالية إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في فشل المشاريع، بل في العقلية التي أدارتها. فحين تُحرق ثروات الوطن على نزوات حاكم شاب، من بينها إنفاق يقدَّر بنحو 200 مليار ريال على ألعاب إلكترونية واستثمارات ترفيهية خارج الأولويات الوطنية، يصبح السؤال عن المسؤولية سؤالًا وجوديًا، لا تقنيًا.
وهذه السياسات، كما يرى معارضون، حولت الاقتصاد السعودي من اقتصاد دولة إلى “محفظة شخصية” تُدار وفق الأهواء لا وفق الدراسات.
ومع انكشاف العجز المالي، عاد محمد بن سلمان – بحسب تقارير غربية من بينها بلومبيرغ – إلى نهج المصادرة والضغط، فيما وصفه ناشطون بـ“ريتز ثانية”.
غير أن الفارق هذه المرة أن الاستهداف لا يقتصر على الأمراء وكبار رجال الأعمال، بل يمتد إلى أصحاب الثروات المتوسطة، في محاولة لسد فجوات الديون وتمويل عجز الميزانية. هذا التحول يعكس، وفق مراقبين، أن الأزمة أعمق مما يُعلن، وأن خزائن الدولة لم تعد قادرة على تحمّل كلفة السياسات السابقة.
ويحذر اقتصاديون من أن تكرار نهج المصادرات يدمّر ما تبقى من ثقة في بيئة الاستثمار، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الملكية الخاصة في السعودية غير محمية، وأن الثروة يمكن أن تُسلب بقرار سياسي في أي لحظة.
ومع اتساع دائرة الاستهداف، تتعزز القناعة بأن “الدور سيأتي على الجميع”، وأن الصمت لم يعد ضمانة للنجاة، بل قد يكون مقدمة لخسارة ما تبقى.
في هذا السياق، يرى المجلس الوطني للإنقاذ أن ما يجري ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل أزمة حكم. فالتخبط في اتخاذ القرار، والانتقال من التبذير إلى المصادرة، ومن أحلام المليارات إلى سياسة الجباية القسرية، يكشف غياب أي رؤية اقتصادية متماسكة.
الأخطر من ذلك، أن السلطة لا تزال تتعامل مع النتائج لا مع الأسباب، فتوقف المشاريع بعد فوات الأوان، وتبحث عن المال في جيوب الناس بدل مراجعة جوهر السياسات.
ويؤكد معارضون أن استمرار هذا النهج يهدد ما تبقى من مقدرات الوطن، ويدفع البلاد نحو حلقة مفرغة من الديون والمصادرات والانكماش الاقتصادي. فالدولة التي تُدار بعقلية المقامرة لا يمكن أن تبني اقتصادًا مستدامًا، ولا أن تحافظ على استقرار اجتماعي طويل الأمد.